ابن الجوزي
206
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فخرج مسرعا إلى عبد الملك وهو بالصبيرة [ 1 ] ، فلما دنا من سرادقه صاح : النصيحة النصيحة ، فقال أهل العسكر : وما نصيحتك ؟ قال : نصيحة لأمير المؤمنين ، قالوا : قل ، قال [ 2 ] : حتى أدنو [ 3 ] من أمير المؤمنين ، فأمر عبد الملك أن يأذنوا له ، فدخل وعنده أصحابه . قال : فصاح : النصيحة النصيحة النصيحة ، قال : اخلني لا يكن عندك أحد ، فأخرج من في البيت ، ثم قال له : أدنني ، قال : ادن ، فدنا من عبد الملك على السرير ، قال : ما عندك ؟ قال : الحارث ، فلما ذكر الحارث رمى بنفسه عن السرير ثم قال : وأين هو ؟ قال : يا أمير المؤمنين هو بيت المقدس ، عرفت مداخلة ومخارجه ، فقص عليه قصته وكيف صنع به ، فقال : أنت صاحبه ، وأنت أمير بيت المقدس وأمير ها هنا فمرني بما شئت ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ابعث معي قوما لا يفهمون [ 4 ] الكلام ، فأمر أربعين رجلا من فرغانة ، فقال : انطلقوا مع هذا فما أمركم من شيء فأطيعوه . وكتب إلى صاحب بيت المقدس : إن فلانا الأمير عليك حتى تخرج فأطعه فيما أمرك به . فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب ، فقال : مرني بما شئت ، فقال : اجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس ، وادفع كل شمعة إلى رجل ورتبهم على أزقة بيت المقدس ، وزواياها فإذا قلت : أسرجوا أسرجوا جميعا . فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياها [ 5 ] بالشمع وتقدم البصري وحده إلى منزل الحارث ، فأتى الباب ، فقال للحاجب : استأذن لي على نبي الله ، قال : في هذه الساعة ما يقدرون عليه وما يؤذن عليه حتى يصبح ، قال : أعلمه أني إنما رجعت شغفا [ 6 ] إليه قبل أن أصل / فدخل عليه فأعلمه بكلامه ، فأمره ففتح ، قال : ثم صاح البصري : أسرجوا ، فأسرجت الشموع حتى كانت كأنها النهار [ 7 ] . ثم قال : من مر بكم فاضبطوه ، ودخل هو إلى الموضع الَّذي يعرفه
--> [ 1 ] في الأصل : « بالضمير » . وفي ت : « بالبصيرة » . وكلاهما خطأ . [ 2 ] « قالوا : قل ، قال » : ساقط من ت . [ 3 ] في ت : « حتى دنا من أمير المؤمنين » . [ 4 ] في معجم البلدان : « لا يفقهون » . [ 5 ] « فإذا قلت أسرجوا . . . بيت المقدس وزواياها » : ساقط من ت . [ 6 ] في ت : ومعجم البلدان : « شوقا » والمعنى واحد . [ 7 ] في ت : « كأنها النار » . وفي معجم البلدان : « حتى كان بيت المقدس كأنه نهار » .